القرطبي
159
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الوادي . مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ، ليعلم ذوو العقول أنه لا شئ أقذر منه قذارة ، ولا أنتن منه نتنا ، ولا أشد منه مرارة ، ولا أشد سوادا منه ، ثم وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تضمن من العذاب ، وأنه أعظم واد في جهنم ، فذكره الله تعالى في وعيده في هذه السورة . قوله تعالى : ألم نهلك الأولين ( 16 ) ثم نتبعهم الآخرين ( 17 ) كذلك نفعل بالمجرمين ( 18 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 19 ) قوله تعالى : ( ألم نهلك الأولين ) أخبر عن إهلاك الكفار من الأمم الماضين من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم . ( ثم نتبعهم الآخرين ) أي نلحق الآخرين بالأولين . ( كذلك نفعل بالمجرمين ) أي مثل ما فعلناه بمن تقدم نفعل بمشركي قريش إما بالسيف ، وإما بالهلاك . وقرأ العامة " ثم نتبعهم " بالرفع على الاستئناف ، وقرأ الأعرج " نتبعهم " بالجزم عطفا على " نهلك الأولين " كما تقول : ألم تزرني ثم أكرمك . والمراد أنه أهلك قوما بعد قوم على اختلاف أوقات المرسلين . ثم استأنف بقوله : " كذلك نفعل بالمجرمين " يريد من يهلك فيما بعد . ويجوز أن يكون الاسكان تخفيفا من " نتبعهم " لتوالي الحركات . وروى عنه الاسكان للتخفيف . وفي قراءة ابن مسعود " ثم سنتبعهم " والكاف من " كذلك " في موضع نصب ، أي مثل ذلك الهلاك نفعله بكل مشرك . ثم قيل : معناه التهويل لهلاكهم في الدنيا اعتبارا . وقيل : هو إخبار بعذابهم في الآخرة . قوله تعالى : ألم نخلقكم من ماء مهين ( 20 ) فجعلناه في قرار مكين ( 21 ) إلى قدر معلوم ( 22 ) فقدرنا فنعم القادرون ( 23 ) ويل يومئذ للمكذبين ( 24 ) قوله تعالى : ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) أي ضعيف حقير وهو النطفة وقد تقدم . وهذه الآية أصل لمن قال : إن خلق الجنين إنما هو من ماء الرجل وحده . وقد مضى القول ( 1 ) فيه .
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص .